‏إظهار الرسائل ذات التسميات مواضيع مختلفة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مواضيع مختلفة. إظهار كافة الرسائل

هل تعرف ماذا يحدث أثناء القدّاس الإلهيّ؟


ماذا يحدث لحظة التقديس في القداس الإلهي؟ 


– بحسب رؤيا كاتالينا ريفاس ومعلمة الكنيسة القديسة هيلدغارد

***

في القدّاس يوجد سرّين مدهشين. الأول هو انفتاح السماء وظهور الكائنات السماوية عند الهيكل خلال الليتورجيا. والثاني هو تحوّل الخبز والخمر الى جسد ودم المسيح في الجوهر.
في هذا المقال سنتحدّث عن هذين السرّين باستخدام رؤى إثنين من الشهود كاتالينا ريفاس والقديسة هيلدغارد اللتان كشف لهما الرب الأسرار الخفية التي تحدث في كل قدّاس.


ليتورجيا السماء والأرض :

القدّاس يعيد أحداث خميس الأسرار، الجمعة العظيمة وأحد الفصح وهو مشاركة في عبادة الله في الهيكل السماوي.
المذبح على الأرض يتّحد ويندمج مع المذبح في السماء. لذا فالقدّاس هو السماء على الأرض.
والليتورجيا على الأرض هي انعكاس مرئي ورمز فعّال عن الليتورجيا الملائكية السماوية.
يُعبَّر عن اتّحاد الطقسين (الأرضي والسماوي)، حينما تُدعى الكنيسة الى الوحدة مع العروش والسيادات والكاروبيم والساروفيم لترنيم النشيد الملائكي، قدّوس، قدّوس، قدّوس. وهذا ما توضحه لنا رؤيا كاتالينا ريفاس:
“فجأة وجدت أشخاصًا لم أرهم قبلاً، كان كلّ واحد منهم يقف إلى جانب كلّ شخص في الكنيسة، وهكذا امتلأت الكنيسة بعدد من الأشخاص رائعي الجمال، يلبسون ثيابًا بيضاء، توجّهوا نحو وسط الكنيسة، باتجاه المذبح.
قالت لي مريم: “أنظري، هؤلاء هم الملائكة الحرّاس، لكلّ واحد من الأشخاص الموجودين في الكنيسة. إنّها اللحظة التي يحمل فيها الملاك الحارس تقديماتكم وصلواتكم إلى مذبح الله”.
وتكمل كاتالينا: “شعرت بالدهشة، لأنّ لهؤلاء الملائكة وجوهًا مشرقة ورائعة الجمال، أرجلهم الحافية لا تطأ الأرض… كان هذا التطواف جميلاً. بعضهم كان يحمل إناء من ذهب تشعّ منه أنوار مذهّبة. قالت العذراء: إنّ الملائكة يقدّمون في هذه اللحظات من القدّاس تقادم المصلّين، الواعين معنى هذا الاحتفال والذين عندهم شيء يقدّمونه لله…
قدّمي أتعابك، آلامك، أفراحك، أحزانك وطلباتك. تذكّري أنّ للقدّاس قيمة لا متناهية، لذلك كوني كريمة بتقادمك وطلباتك.”
ولكن كاتالينا شاهدت شيئاً غريباً جداً، وراء الملائكة الأولين جاء آخرون لا يحملون شيئًا في أيديهم، كانت أياديهم فارغة.
فقالت لها العذراء: إنّهم ملائكة الأشخاص الذين ورغم حضورهم، لم يقدّموا شيئًا لله، لأنّهم غير مهتمّين بعيش ليتورجية القدّاس، ولا يقدّمون شيئًا لمذبح الربّ.
أخيراً قالت كاتالينا: “في نهاية التطواف، رأيت ملائكة تبدو عليهم علامات الحزن، يجمعون أيديهم للصلاة، وعيونهم منخفضة حياء. إنّهم الملائكة الحراس للأشخاص الموجودين هنا جسديًّا لكن عقولهم في الخارج، لا رغبة عندهم في المشاركة في القداس، لذلك هم يتقدّمون بحزن، لأنّ لا شيء يقدّمونه إلى مذبح الربّ، سوى صلواتهم الخاصّة.


تكريس واستحالة الخبز والخمر :

اللحظة السريّة بالأكثر في القدّاس هي عندما يكرّس الكاهن الخبز والخمر ويتحوّلان فجأة الى جسد ودم يسوع. هذا يحدث عند الصلاة الإفخارستية.
يصبحان جوهر جسد المسيح، لكن تبقى عوارض الخبز والخمر: التركيب، الملمس، الرائحة، والطعم وغيرها العناصر المادية. وكجوهر المسيح، فكل قطعة صغيرة تحتوي على جسد المسيح الكامل، وكذلك كل قطرة من الخمر. وهذه الاستحالة فورية أي لا تحدث بالتدريج.
استحالة الخبز والخمر بحسب رؤيا معلّمة الكنيسة القديسة هيلدغارد
فيما يلي وصف للرؤيا من كتابها الأول، (Scito Vias Domini، “معرفة طرق الله”)
بعد تلاوة إنجيل السلام وتكريس التقدمة الموضوعة على المذبح، ورتّل الكاهن والشعب التسبحة لله العلي “قدّوس قدّوس قدّوس”، انفتحت السماء فجأة وانحدر إشعاع شديد وبريق لا حدّ له على تلك التقدمة وأضاءها بالكامل بالنور، تماماً كما تضيء الشمس كل ما يُنير. وهكذا، رفعها متألّقة الى أعلى الى الأماكن السرّية في السماء ثم أعادها الى المذبح”.
تشرح القديسة هيلدغارد أنه عند تكريس الخبز والخمر تؤخذ الى السماء بواسطة نور خاص من أجل تحولهم الى جسد ودم المسيح ثم توضع مرة أخرى على المذبح.

القديسة هيلدغارد تشرح السبب في بقاء جسد المسيح ودمه غير مرئيّين.

“يقول الله: “لكن أنت، أيها الإنسان، لا يمكنك أخذ هذه الهبة الروحية بطريقة مرئية، كما تأكل لحماً مرئيّاً وتشرب دماً مرئيّاً؛ لأنك حقارة قذرة. لكن كما أن الروح فيك غير مرئية، هكذا السرّ في هذا القربان حيّ وغير مرئي ويجب أن تقتبله بشكل غير مرئي”.
روح الإنسان، غير المرئية، تقتبل بصورة غير مرئية السرّ المستتر في القربان. بينما الجسد البشري، الذي هو مرئي، يقتبل القربان المحسوس الذي يُجسّد السرّ. لكن كلاهما واحد، تماماً كما المسيح هو إله وإنسان، وكما أن النفس العاقلة والجسد بشري يشكلان الإنسان”.


هناك علاقة خاصة بين التكريس وميلاد المسيح.

مرة أخرى تخبرنا القديسة هيلدغارد ما يقوله الله لنا بطريقة أبوية ومُحِبّة بأنه يتذكّر ميلاد ابنه في كل لحظة من التكريس:
”لذلك، عندما أرى جسد ودم ابني كل يوم مكرس على المذبح باسمي، وأنت، أيها الإنسان، يتم تقديسك من خلال هذا السر، وتتناول جسده وتشرب دمه، أتأمل دائماً في ميلاده. في الوقت الذي يقوم الكاهن بعمله كما عُيِّن له، بالتماسي بواسطة الكلام المقدّس، هناك تتجلّى قوّتي وسلطاني، كما تجلّت عند تجسّد ابني الوحيد”.


التكريس والإستحالة بحسب رؤيا كاتالينا ريفاس :

تحدّثنا كاتالينا عن قسم آخر يحدث خلال القدّاس: عندما انتهت هذه التقدمة، وعندما بدأ المصلّون بالقدّوس قدّوس قدّوس اختفى الملائكة من وراء المصلّين على يسار الأسقف ومن الخلف، ظهر آلاف الملائكة، صغارًا وكبارًا، بعضهم ذوو أجنحة كبيرة وآخرين بأجنحة صغيرة وقسم آخر بدون أجنحة. جميعهم كانوا يرتدون بدلات شبيهة بثياب الرهبان والكهنة.
ركعوا جميعهم، وجمعوا أيديهم للصلاة وأحنوا رؤوسهم إجلالاً. تعالت موسيقى رائعة، وسمعت أصواتًا متعدّدة كلّها ترتّل مع الشعب: قدّوس قدّوس قدّوس.
ها نحن الآن في لحظة التكريس، لحظة الأعاجيب الأكثر روعة… على يمين الأسقف، وعلى خطّ مائل إلى الوراء رأيت آلافًا من الأشخاص، يرتدون نفس البدلات ولكن بألوان الباستيل: الزهري، الأخضر، الأزق السماوي، الزنبق والأصفر، ألوان مختلفة ورائعة.
كانت وجوه الملائكة تتآلف فرحًا، وكأنّها في عمر واحد، وجوههم متساوية، بدون تجاعيد تبدو عليها علامات السعادة. سجدوا كلّهم قبل ترتيلة القدّوس.
وشرحت لها السيدة العذراء:
“هؤلاء هم القدّيسون والطوباويّون والمبتهجون بحضور الله”. ثمّ رأيت السيّدة وهي إلى يمين الأسقف خطوة إلى الوراء. كانت مرتفعة عن الأرض بعض الشيء ساجدة على قماش من الفوال الناعم الشفّاف المنور، كالمياه البلوريّة، كانت تجمع يديها وتنظر باهتمام واحترام إلى المحتفل بالقدّاس. حدثّتني مريم من هناك، بصمت، ومباشرة في القلب، بدون النظر إليّ فقالت:
أنت متعجّبة لرؤيتي وراء الأسقف. أليس كذلك؟ هذا يجب أن يكون… رغم حبّه لي، لم يعطني أبتي الشرف الذي يعطيه للكاهن، وهو أن أحمل بين يدي ما تحمله كلّ يوم أيدي المكرّسين. إعلمي لماذا أشعر باحترام بالغ للكاهن وللأعجوبة التي يصنعها الله من خلاله، ممّا يحملني على السجود هنا.
مقابل المذبح، ظهرت ظلال أشخاص بلون رمادي، يرفعون أيديهم إلى الأعالي قالت لي مريم العذراء: إنّها النفوس المباركة في المطهر التي تنتظر صلواتكم لتجد بعض الانتعاش. هذه النفوس تصلّي من أجلكم ولكنّها غير قادرة على الصلاة لأجل نفسها، لتخرج إلى لقاء الله وتهنأ به للأبد… قولي للبشر، لا يمكن للإنسان أن يكون كما يجب إلاّ عندما يُثني ركبتيه أمام الله.
عندما بدأ الأسقف كلام التقديس، فجأة بدا حجمه يكبر ويمتلئ من النور، نور غير طبيعيّ، أبيض ذهبي، يغمره ويصبح أكثر قوّة عند الوجه، لدرجة إنّني لم أعد أتبيّن ملامحه. وعندما رفع القربانة، انبعثت من ظهر يديه أنوار، وشاهدت يسوع! كان هو ذاته، يغطّي الأسقف وكأنّه يغمر يديه بحبّ كبير.
في هذه اللحظات، بدأت القربانة تكبر وتنمو بطريقة كبيرة وظهر فيها وجه يسوع الرائع وهو ينظر إلى شعبه. أخفضت عينيّ بطريقة لاشعوريّة فقالت لي العذراء: لا تميلي نظرك عن يسوع. إرفعي عينيك، تأمّليه، أنظري في عينيه وردّدي صلاة فاتيما: إلهي، إنّي، أعبد، أرجو وأحبّ أطلب منك السماح لأجل كلّ الذين لا يؤمنون لا يعبدون ولا يرجون ولا يحبّونك سامح وارحم. والآن قولي ليسوع كم تحبّينه، عظّمي ملك الملوك.
ما إن بدأ الأسقف صلاة تكريس الخمر، بدأت خيوط من الأنوار تشبه البرق تلمع في السماء وفي العمق. لم يعد للكنيسة من سقف ولا جدران. كان كلّ شيء معتّمًا، ولم يبقَ سوى ذلك النور المتلألئ على المذبح.
فجأة رأيت يسوع المصلوب معلّقًا في الهواء من الرأس حتّى الخصر. وكان الصليب محمولاً بأيدٍ كبيرة وقويّة من وسط هذا الجمال انبثق نور صغير يشبه حمامة صغيرة منيرة جدًّا تحوّلت بسرعة في كلّ الكنيسة ثمّ عادت لتقف على كتف الأسقف لجهة الشمال، فتحوّل إلى يسوع لأنّني كنت أتبيّن شعره الناعم، وسماته النورانيّة وجسده الكبير ولكنني لم أرَ وجهه.
في الأعلى، بقي وجه يسوع المصلوب منحنيًا صوب الكتف الشمال. كانت علامات الضرب والجروحات باديةً على وجهه ويديه. وعند الجهة اليسرى من الصدر، بدا جرح كبير يتدفّق منه دم وماء من الشمال إلى اليمين. وكانت شعاعات النور تتّجه إلى المؤمنين بحركة نحو اليمين والشمال. دهشت أمام كميّة الدم التي فاضت من الكأس دون أن تقع منها أيّة بقعة على المذبح.


قالت لي العذراء:
هذه هي أعجوبة الأعاجيب. بالنسبة لله، لا وجود للوقت ولا للمسافة خلال لحظة التكريس، إذ يحمل المصلّون إلى رجلي المصلوب، ساعة صلب يسوع. هل يمكن لأحد أن يتصوّر ذلك؟ ليس باستطاعة أعيننا أن ترى، لكنّنا جميعنا هنا، من نفس اللحظة حين يصلب يسوع ويطلب السماح لا لقاتليه فقط بل وكلّ خطايانا: أبتِ اغفر لهم لأنّهم لا يدرون ما يفعلون.
المصدر: الحركة المريمية في الأراضي المقدسة

لماذا تحتفل الكنيسة اليوم بعيد الصليب؟؟؟

- عيد إرتفاع الصليب المكرّم :

كان كسرى ملك الفرس قد دخل أورشليم ظافراً وأسرَ ألوف المسيحيين وفي مقدمتهم البطريرك زكريا، ونقلهم إلى بلاده، وأخذ ذخيرة عود الصليب الكريم غنيمةً، وبقيت في حوزته أربع عشرة سنة.

ولما إنتصر هرقل الملك على الفرس، كانت أهم شروطه إطلاق المسيحيين الأسرى وإرجاع ذخيرة عود الصليب.

وكان كسرى قد مات وملك مكانه إبنه سيراوس فقبل هذا بالشروط وأطلق الأسرى سالمين مع البطريرك زكريا بعد أن قضوا في الأسر ١٤ سنة، وسلّم ذخيرة عود الصليب إلى هرقل الملك وكان ذلك سنة ٦٢٨.

فأتى بها هرقل إلى القسطنطينية التي خرجت بكل ما فيها إلى إستقباله بالمصابيح وتراتيل النصر والإبتهاج.

وبعد مرور سنة جاء بها الإمبراطور هرقل إلى أورشليم ليركز عود الصليب في موضعه على جبل الجلجلة.

فقام لملاقاته الشعب وعلى رأسهم البطريرك زكريا.

فإستقبلوه بأبهى مظاهر الفرح والبهجة بالمشاعل والترانيم البيعية، وساروا حتى طريق الجلجلة.

وهناك توقف الملك بغتة بقوة خفية وما أمكنه أن يخطو خطوة واحدة.

فتقدم البطريرك وقال للملك:

"إن السيد المسيح مشى هذه الطريق حاملاً صليبه، مكلّلاً بالشوك، لابساً ثوب السخرية والهوان، وأنت لابس أثوابك الأرجوانية وعلى رأسك التاج المرصع بالجواهر، فعليك أن تشابه المسيح بتواضعه وفقره".

فأصغى الملك إلى كلام البطريرك، وإرتدى ثوباً حقيراً ومشى مكشوف الرأس، حافي القدمين، فوصل إلى الجلجلة، حيث ركّز الصليب في الموضع الذي كان فيه قبلاً.

ثم نقيم تذكار ظهور الصليب للملك قسطنطين الكبير في الحرب ضد عدوه مكسنسيوس.

وذلك أنه لما قرُب من رومة إستعان بالمسيحيين وإستغاث بإلههم يسوع المسيح وإله والدته هيلانه لينصره على أعدائه.

وبينما هو في المعركة ظهر له الصليب في الجو الصافي، محاطاً بهذه الكتابة بأحرف بارزة من النور: *"بهذه العلامة تظفر"* فإتكل على إله الصليب، فإنتصر على مكسنسيوس، وآمن بالمسيح هو وجنوده.

وجعل راية الصليب تخفق في راياته وبنوده.

وبعث الكنيسة من ظلمة الدياميس، وأمر بهدم معابد الأصنام وشيد مكانها الكنائس، ومنذ ذلك الحين، أي منذ عام ٣٣٠، عمَّ الإحتفالُ بعيد الصليب الشرقَ والغربَ.

وقد إمتاز لبنان بهذا الإحتفال منذ القديم، فإنه ، ليلة هذا العيد، يظهر شعلة من الأنوار في جروده وسواحله.

غلوريا لامست جهنّم. شهادة قد تغيّر حياتك...

-غلوريــــا لامست جهنّــــــم
-شهادة غلوريا بولو المؤثّرة

السيّدة غلوريا بولو طبيبة أسنان في بوغوتا (Bogota -كولومبيا).
عام 2007 ظهرت مقتطفات من أحد أحاديثها
إلى "راديو ماريّا" في كولومبيا. وهو ما نثبِّته هنا.
Achevé d?imprimer en la fête de Notre-Dame du Mont-Carmel,
Le 16 juillet 2007, par les éditions Résiac ? F 53150 Montsûrs

     الأب دانيال غانيون(P. Daniel Ganion, OMI)  المسؤول عن عقيدة الإيمان في الرئاسة الأسقفيّة في مكسيكو أوصى بقراءة هذا الكتاب نظرًا لما يتضمّنه من وحي روحيّ لا يخالف تعاليم الكنيسة الواحدة المقدّسة الرسوليّة الجامعة.
     أيّها الإخوة والأخوات، رائع بالنسبة إليّ أن أتقاسم معكم في هذه اللحظة، النعمة الفائقة الوصف التي منحني إيّاها سيّدنا يسوع المسيح، لأكثر من عشرة أعوام خلت.
     كان ذلك في جامعة كولومبيا الوطنيّة في بوغوتا (في أيّار 1995). كنت أُعِدّ شهادة دراسة عليا مع ابن أختي الذي كان طبيب أسنان كذلك. بعد ظهر الجمعة ذاك، كان زوجي يرافقنا، إذ كان علينا أن نأخذ كتبًا من الكليّة. كانت تُمطر بغزارة وكنّا، إبن أختي وأنا، نحتمي تحت مظلّة صغيرة. كان زوجي يقترب من مكتبة الحَرَم الجامعيّ، مرتديًا معطفًا واقيًا. وقد توجّهنا، إبن أختي وأنا اللاحقين به، نحو أشجار لتحاشي برك ماء صغيرة. في تلك البرهة ضربتنا الصاعقة لكلينا. مات إبن أختي فورًا؛ كان فتيًّا، وعلى رغم صغر سنّه، كرّس نفسه لربّنا؛ وكان تعبّده كبيرًا للطفل يسوع. كان يحمل دومًا صورته المقدّسة في بلّور صخري فوق صدره. وفقًا للتشريح، دخلت الصاعقة عبر الصورة، فحّمت قلبه وخرجت عبر قدميه. لم يكن يُلمَح خارجيًّا أي أثر حرق. من جهتي، احترق جسدي في شكل فظيع، في الداخل كما في الخارج. هذا الجسد الذي ترونه الآن، مُجدّدًا، هو كذلك بنعمة الرحمة الإلهيّة. الصاعقة فحَّمتني، ما عدت أملك صدرًا، وكلّ لحمي وقسمٌ من أضلعي اختفيا عمليًّا. الصاعقة خرجت عبر قدمي اليمنى، بعدما أحرقت كليًّا معدتي وكبدي، وكليتَي ورئتيّ.
     كنت أستخدم منع الحمْل وأضع حاجبًا في الرحم من نحاس. ولمّا كان النحاس موصّلاً ممتازًا للكهرباء، فحّم مبيضَيّ. وجدت نفسي إذًا في حال سكتة قلبيّة، من دون حياة، ولجسدي انتفاضات بسبب الكهرباء التي كان لا يزال يحملها. إنّما لم يكن يتعلّق هذا إلاّ بالقسم المادي من ذاتي، ففيما كان لحمي مُحترقًا، وجدتُ نفسي في تلك اللحظة في نفق جميل جدًّا من نور أبيض، يملأني فرحٌ وسلامٌ؛ ما من كلمةٍ يمكنها أن تصف عظمة لحظة السعادة تلك. وكانت ذروة اللحظة هائلة.
     كنت أشعر بنفسي سعيدة ومملوءة فرحًا، لأنّني ما عدت خاضعة لقانون الجاذبيّة. رأيت في آخر النفق مثلَ شمس ينبعث منها نورٌ خارق. أصِفها بيضاء لأعطيكم فكرة ما عنها، إنّما في الواقع، ما من لون على الأرض شبيه بسطوع كهذا. كنت أدرك فيها نبع كلّ حُبّ وكلّ سلام.
     فيما كنت أرتفع، تحقّقت من أنّني قد متّ. في تلك اللحظة فكّرت بأبنائي وقلت لنفسي: "آه، يا إلهي، أبنائي، ماذا سيفكّرون بي؟ الأم النشيطة جدًّا التي كنت، لم تملُك أبدًا وقتًا تكرّسه لهم!" كان ممكنًا لي أن أرى حياتي كما كنت حقًّا، وذلك أحزنني. كنت أُغادر المنـزل كلّ الأيّام لأغيّر العالم، وما كنت حتّى قادرة على الاهتمام بأبنائي.
     في لحظة الفراغ هذه التي كنت أشعر بها بسبب أبنائي، رأيت أمرًا ما باهرًا: ما عاد جسدي ينتمي إلى المكان والزمان. في لحظة، كان ممكنًا لي أن أحتضن بالنظر الناس كلّهم، الأحياء كما الأموات. استطعت أن أضمّ أجدادي ووالدَي المتوفّين. استطعت أن أعانق الناس كلّهم، كانت لحظة جميلة جدًّا! أدركت إذاك كم خُدِعت بإيماني بالتقمّص وقد جعلت من نفسي محامية عنه. كنت معتادة "رؤية" جدّي ووالد جدّي في كلّ مكان. إنّما هنا، كانا يعانقانني وكنت بينهما. في اللحظة نفسها، ضَمَمْنا بعضنا بعضًا كما في كلّ الكائنات التي عرفتها في حياتي.
     خلال تلك الآونة الجميلة جدًّا خارج جسدي، فقدت مفهوم الوقت. تبدّل نظري: (على الأرض) كنت أُفرّق بين مَن كان بدينًا، مَن كان ملوّثًا أو بشعًا، لأنّني كنت أملك دومًا أحكامًا مُسبّقة. خارج جسدي. كنت أتأمّل الكائنات من الداخل! كنت أستطيع معرفة أفكارها ومشاعرها. كنت أحتضنها كلّها في لحظة، وأنا أتابع ارتفاعي دومًا أعلى وملئي فرح. إذاك أدركت أنّني سوف أستفيد من رؤية رائعة، من بحيرة جمالها خارق. لكنني سمعت في تلك البرهة، صوت زوجي الذي كان يبكي ويناديني منتحبًا: "غلوريا، أرجوك لا ترحلي! غلوريا، عودي! لا تتخلّي عن الأولاد، يا غلوريا". نظرت إذًا إليه ولم أرَه فقط، بل أحسست أيضًا بحزنه العميق. وسمح لي الربّ بالعودة، بالرغم من أنّ هذه لم تكن أمنيتي. كنت أشعر بفرح كبير جدًّا، بكثير من السلام والسعادة. وإذا بي أنحدر على مهل نحو جسدي حيث كنت أرقد من دون حياة. كان يتمدّد على نقّالة، في المركز الطبّي للحرم الجامعيّ. كنت أستطيع رؤية الأطباء الذين كانوا يُخضعونني لصدماتٍ كهربائيّة ويُحاولون إنعاشي على أثر السكتة القلبيّة التي عانيتها. لبثنا هناك خلال ساعتين ونصف الساعة. لم يكونوا يستطيعون في البدء معالجتنا باليد، لأنّ جسدَينا كانا لا يزالان مُوصِلين جدًّا للتيار الكهربائيّ. وعندما استطاعوا ذلك لاحقًا، جهدوا لإحيائنا.
     استقرّيت قرب رأسي، وشعرت كما بصدمة جذبتني بعنف إلى داخل جسدي. كان الأمر مؤلمًا، لأنّ ذلك كان يبعث شرارات من كلّ الأنحاء. رأيت نفسي أندمج بشيء ما ضيّق جدًّا. كان لحمي المرضوض والمحروق يؤلمني. كان يُصعِّد دخانًا وبخارًا. لكن الجرح الأفظع كان يصدر من غروري. كنت امرأة مجتمع، مثقّفة، تلميذة عبدة جسدها، والجمال والموضة. كنت أُزاول الرياضة البدنيّة أربع ساعات يوميًّا، لأفوز بجسد رشيق: تدليك وعلاج طبّي وحمية من كلّ الأنواع.. الخ. كانت تلك حياتي، رتابة تُقيّدني بعبادة جمال الجسد. كنت أقول لنفسي: "لديّ ثديان جميلان، فلأبرزهما هكذا. ليس ثمّة أي سبب لإخفائهما. "كذلك بالنسبة إلى ساقَيّ، لأنّني كنت أعتقد بأنّ لديّ ساقَين جميلين وصدرًا جميلاً! لكنّني رأيت في لحظة بفظاعة، إنّني أمضيت حياتي أعتني بجسدي. حُبّ جسدي كان محور وجودي. والحال أنّني ما عدت أملك الآن جسدًا وصدرًا ولا شيء سوى ثقوب فظيعة. اختفى ثديي الأيسر خصوصًا. لكن الأسوأ كان ساقَيّ اللتين لم تكونا سوى جروح فاغرة من دون لحم، محروقتين ومُكلّستين كليًّا. من هناك، نقلوني إلى المستشفى حيث قادوني سريعًا إلى المركز الجراحي، وبدأوا كشط جروحي وتنظيفها.
     وفيما كنت تحت تأثير المُخدّر، إذا بي أخرج مجدّدًا من جسدي وأرى ما كان يفعله بي الجرّاحون. كنت قلقة على ساقيّ. فجأة، اجتزت وقتًا رهيبًا، فكلّ حياتي، لم أكن سوى كاثوليكيّة "مقطّرة". لم تكن علاقتي بالربّ تتوقّف إلاّ على إفخارستيّا الأحد، ليس أكثر من خمس وعشرين دقيقة، حيث موعظة الكاهن كانت الأوجز، لأنّني لم أكن أستطيع أن أتحمّل أكثر. تلك كانت علاقتي بالربّ. كلّ التيارات (الفكريّة) العالميّة أثّرت فيّ مثل دوّارة هواء.
     ذات يوم، فيما كنت في الدراسات العليا لطب الأسنان، سمعت كاهنًا يؤكّد أنّ لا وجود لجهنّم ولا للشياطين. والحال أنّ ذلك كان الأمر الوحيد الذي كان لا يزال يُبقيني متردّدة على الكنيسة. وإذ سمعت تأكيدًا كهذا، قلت لنفسي أنّنا سنذهب كلّنا إلى الفردوس، بصرف النظر عمّا نحن، وابتعدت كلّيًا عن الربّ. غَدَتْ أحاديثي منحرفة، لأنّني ما عدت أستطيع وضع حدّ للخطيئة. بدأت أقول للجميع أنّ الشيطان ليس موجودًا وأنّ ذلك كان اختراعًا من الكهنة وتلاعبًا...
     عندما كنت أخرج مع رفاقي في الجامعة، كنت أقول لهم أنّ الله لم يكن موجودًا وأنّنا كنّا نتيجة التطوّر. إنّما في تلك اللحظة، كنت مذعورة حقًّا في قاعة العمليّات! كنت أرى شياطين مقبلة نحوي. من جدران مركز العمليّات، رأيت أناسًا كثيرون يظهرون. كانوا يبدون طبيعيّين، للوهلة الأولى، إنّما كانت لهم وجوه حاقدة، بشعة. في ذلك الوقت، تحقّقت بحدّة ذهن أُعطيِت لي، من أنّني كنت مُلُك كلّ منهم. أدركت أنّ الخطيئة لم تكن مجانية، وأنّ الكذب الأكثر سفالة للشيطان، كان الإيهام بأنّه لم يكن موجودًا. كنت أراها كلّها آتية في طلبي. تصوّروا خوفي! لم يكن لذهني العقلاني والعلميّ أي عونٍ لي. أردت العودة إلى داخل جسدي، لكن هذا الأخير لم يكن يدعني أدخل. إذاك ركضت إلى خارج الحجرة، آملة بالاختباء في مكان ما في ممشى المستشفى، لكنّني انتهيت في الواقع إلى القفز في الفراغ.
     وقعت في نفق منجذبة نحو الأسفل. في البدء، كان ثمّة نورٌ، وكان ذلك يشبه قفير النحل. كان ثمّة ناس كثُر. إنّما سرعان ما بدأت الهبوط مارّة عبر أنفاق معتّمة كليًّا. لا سبيل إلى أي مقارنة بين عتمة ذلك الموضع والعتمة الأكثر شمولاً للأرض التي يمكننا مقابلتها بالنور الكوكبيّ. كانت تلك العتمة تُسبّب العذاب، والهول والعار. كانت الرائحة نتنة. حين انتهيت أخيرًا من الهبوط على طول تلك الأنفاق، نزلت على نحوٍ يدعو إلى الرثاء فوق مصطبة. أنا التي كنت معتادة الصياح إنّني كنت أملك إرادة فولاذيّة وما من شيء يفوق الحدّ بالنسبة إليّ... هناك، لم تكن إرادتي تفيدني في شيء؛ لم أكن أنجح في الصعود ثانية. في نقطة معيّنة، رأيت على الأرض مثلَ هوّةٍ هائلة تنفتح، ورأيت فراغًا شاسعًا، هاوية لا قعر لها. الأفظع في ما يتعلّق بذاك الثقب الفارغ كأنّنا كنّا نشعر بالغياب المُطلق لحُبّ الله، وذلك من دون أدنى أمل. امتصّني الثقب وكنت مذعورة. كنت أعلم إذا مضيت إلى داخله، فسوف تموت نفسي من ذلك. كنت مُنْجذبة نحو تلك الفظاعة.، وقد أُمسِكت بقدمَي. كان جسدي يدخل في هذا الثقب، كانت لحظة ألم شديد ورعب. لم أعد ملحدة، وبدأت أصرخ نحو أنفس المطهر لأنال مساعدة. وفيما كنت أصرخ، شعرت بألم شديد جدًّا، إذ أُعطي لي أن أفهم أنّ آلاف وآلاف الكائنات البشريّة كانت هناك، خصوصًا شبابنا. برعب كنت أسمع صريف أسنان، صيحات فظيعة وأنّات زعزعتني حتّى أعماق كياني. لزمتني أعوامٌ قبل أن أشفى، لأنّني في كلّ مرّة كنت أذكر تلك اللحظات، كنت أبكي مفكّرة بعذاباتها الفائقة الوصف. أدركت أنّ إلى هناك تمضي أنفس المنتحرين الذين يجدون أنفسهم، في لحظة يأس، وسط تلك الأهوال. لكن العذاب الأرهب، كان غياب الله. لم نكن نستطيع الإحساس بالله.
     أخذت أصرخ، في تلك التعذيبات: "مَن أمكنه ارتكاب خطأ كهذا؟ إنّني قدّيسة تقريبًا، فلم أسرقْ أبدًا، لم أقتل أبدًا، أعطيت الفقراء قوتًا، أجريت علاجات أسنان مجانيّة لمعوزين؛ ماذا أفعل هنا؟ كنت أذهب إلى القدّاس الأحد... لم أتخلّف عن قداسي الأحد أكثر من خمس مرّات في حياتي! لِمَ إذًا أنا هنا؟ إنّني كاثوليكيّة، أرجوكم، إنّني كاثوليكيّة، أخرجوني من هنا"! فيما كنت أصرخ بأنّني كاثوليكيّة، لمحت وميضًا ضعيفًا. ويمكنني أن أؤكّد لكم أنّ أدنى وميض، في ذلك الموضع، هو أجمل الهدايا. رأيت درجات فوق الثقب، وتعرّفت إلى أبي، المتوفّى قبل خمسة أعوام. قريبة تمامًا وأربع درجات إلى أعلى، كانت تقف أمّي مُصلّية، مغمورة بنورٍ أكثر.
     ملأني لمحها فرحًا، وقلت لهما: "أبي، أمّي، أخرجاني من هنا! أتوسّل إليكما، أخرجاني من هنا"! وحين انحنيا نحو ذاك الثقب، كان عليكم أن ترَوا حزنهما الهائل. في ذلك الموضع يمكنكم إدراك مشاعر الآخرين والإحساس بأَلمهم. أخذ أبي يبكي مُمسكًا رأسه بين يديه مردّدًا: "يا ابنتي، يا ابنتي!" كان يقول. وكانت أمّي تُصلّي، وفهمت أنّهما لم يكونا يستطيعان إخراجي من هناك؛ وازداد ألمي بألمهما، بما أنّهما كانا يشاطرانني ألمي. لذا أخذت أصرخ مجدّدًا: "أتوسّل إليكما، أخرجاني من هنا! إنّني كاثوليكيّة! من أمكنه ارتكاب خطأ كهذا؟ أتوسّل إليكما، أخرجاني من هنا"! هذه المرّة، سُمع صوتٌ، صوتٌ عذب أرجف نفسي. كلّ شيء غُمر إذاك بحبّ وسلام، وكلّ المخلوقات القاتمة التي كانت تُحيط بي هربت لأنّها لا تستطيع مواجهة الحبّ. قال لي ذلك الصوت العزيز: "حسنًا جدًّا، بما أنّك كاثوليكيّة، قولي لي ما هي وصايا الله؟"
     ها هي ضربة خائبة من جانبي! كنت أعلم أنّ ثمّة عشر وصايا، في اختصار. ماذا كان عليّ أن أفعل؟ أمّي كانت تحدّثني دومًا عن وصيّة الحبّ الأولى. لم يكن عليّ إلاّ أن أردّد ما كانت تقوله لي. كنت أعتقد أنّني قادرة على أن أرتجل وأخفي هكذا جهلي للأخرى (الوصايا). أعتقد بإمكاني التخلّص من الورطة، كما حين كنت على الأرض حيث كنت أجد دومًا عذرًا موافقًا؛ وكنت أُبرّر نفسي بالدفاع عن نفسي لإخفاء جهلي.
     قلت: "أحبّ الربّ إلهك قبل كلّ شيء وقريبك كنفسك". إذاك سمعت: "حسنًا جدًّا، هل أحببتهما؟" أجبت: " نعم أحببتهما، أحببتهما، أحببتهما"! وأُجِبتْ: "لا. لم تُحبّي الربّ إلهك فوق كلّ شيء وأقلّ بعدُ قريبك كنفسك. لقد ابتكرتِ لك إلهًا كنت تلائمينه وفق حياتك، وكنت تستخدمينه فقط في حال الحاجة الميؤوس منها. كنت تسجدين أمامه عندما كنت فقيرة، حين كانت عائلتك مُتّضعة وكنت تريدين الذهاب إلى الجامعة. في تلك الأوقات، غالبًا ما كنت تصلّين وتركعين خلال ساعات طويلة لتتوسّلي إلى إلهك بأن يُخرجك من البؤس؛ ليمنحك نيل الشهادة التي تسمح لك بأن تصيري شخصيّة مهمّة. كلّ مرّة كنت تحتاجين إلى مال، كنت تتلين المسبحة. هوذا كانت علاقتك بالربّ".
     نعم، يجب أن أعترف بأنّني كنت أُمسك بالمسبحة وأنتظر مالاً في المقابل، تلك كانت علاقتي بالربّ. وأُعطيت أن أرى أنّني حالما نلت الشهادة والشهرة، لم أملك أدنى شعور حُبّ نحو الربّ. أن أكون عارفة بالجميل؟ لا، أبدًا! عندما كنت أفتح عينيّ صباحًا، لم أكن أحمل أبدًا شكرًا على اليوم الجديد الذي كان الربّ يمنحني لأعيشه، لم أكن أشكره أبدًا على صحّتي، على حياة أبنائي، على السقف الذي وهبني إيّاه. كان ذلك نكران الجميل الأشمل. لم تكن بي رأفة بالمعوزين! في الواقع، كنت أُجلّ الربّ في مرتبة دنيا إلى حدّ أنّني كنت أثق أكثر بتنبؤات عطارد والزهرة. كان علم التنجيم يعميني، هاتفةً بأنّ النجوم كان توجّه حياتي! كنت أتسكّع نحو كلّ عقائد العالم. كنت أؤمن بأنّني سوف أموت لأُخلق مجدّدًا! ونسيت الرحمة. نسيت أنّني افتُديت بدم الله.
     أخضعوني للاختبار بالوصايا العشر. أروني أنّني كنت أزعم أنّني أُحبّ الله بكلامي، لكنّني كنت في الحقيقة أحبّ إبليس. هكذا دخلت امرأة يومًا عيادتي لتعرض عليّ خدماتها السحريّة، وقلت لها: "إنّني لا أؤمن بذلك، إنّما دَعي هذين الحرزَين هنا في حال نجح ذلك". وقد أودعت في زاوية حدوةَ حصان وصبّارًا، يُفترض أنّهما يُبعدان القوى الشريرة.
     كم كان كلّ ذلك مُخجلاً! كان فحصًا لحياتي انطلاقًا من الوصايا العشر. لقد أظهروا لي ما كان تصرّفي نحو قريبي. أروني كيف كنت أزعم أنّني أُحبّ الله في حين اعتدت انتقاد الجميع، اتهام كلّ فرد، أنا غلوريا الكليّة القداسة! أظهروا لي أيضًا كم كنت حسودة وجاحدة! لم أشعر أبدًا بعرفان جميل نحو والدَيّ اللذين منحاني حبّهما وبذلا جهودًا كثيرة لتعليمي وإرسالي إلى الجامعة. ومنذ نيل شهادتي، هما أيضًا أصبحا أدنى منّي، وكنت حتّى أخجل من أمّي بسبب فقرها، بساطتها وتواضعها.
     في ما يتعلّق بتصرّفي كزوجة، أُظْهر لي أنّني كنت أتشكّى كلّ الوقت، من الصباح إلى المساء. إذا قال زوجي: "صباح الخير"، كنت أردّ: "لِمَ يكون هذا اليوم خيّرًا فيما تُمطِر خارجًا؟" كنت أتشكّى أيضًا في استمرارٍ من أبنائي. وأظهروا لي أنّني لم أُحبّ ولا رأفتُ بإخوتي وأخواتي على الأرض. وقال لي الربّ: "أنّك لم تعتبري المرضى أبدًا؛ وفي وحدتهم، لم تلازميهم أبدًا". كان لي قلب من حجر في قشرة جوز. لم أكن أملك نصفَ جوابٍ صحيحًا على اختبار الوصايا العشر هذا.
     كان ذلك رهيبًا، مدمّرًا! كنت مضطرّبة كلّيًا. وكنت أقول لنفسي: لا يمكن لومي على الأقلّ على قتل أحد!
     مثلاً، كنت أشتري مؤونة للمعوزين؛ إنّما ليس بدافع حُبّ، بل بالأحرى لأبدو سخيّة، وللذّة التي كنت أنعم بها متلاعبةً بمَن كانوا في العوز. كنت أقول لهم: "خُذوا هذه المؤونة واذهبوا مكاني إلى اجتماع الأهل والمعلّمين، لأنّني لا أملك الوقت لحضوره". إلى ذلك كنت أُحبّ أن أُحاط بأشخاص يمتدحونني. كنت قد كوّنت صورة ما لذاتي.
     قيل لي إنّ إلهي كان المال. حُكِم عليك بسبب المال. لهذا السبب غرقت في الهوّة وابتعدت عن ربّك. كنّا بالفعل أغنياء، لكنّنا غدونا في النهاية مُفلسين، تُغرقنا الديون وصفر اليدَين. إذاك صرخت: "أيّ مال؟ لقد تركنا على الأرض ديونًا كثيرة!" هوذا ما استطعت جوابًا.
     عندما وصلنا إلى الوصيّة الثانية، رأيت بحزنٍ أنّني في طفولتي، تعلّمت سريعًا أنّ الكذب كان وسيلة ممتازة لتحاشي قصاصات أمي القاسية. بدأت يدًا بيد مع أب الكذب (إبليس) وصرت كاذبة. كانت خطاياي تزيد مثل أكاذيبي. لاحظت كم كانت تحترم أمّي الربّ واسمه القدّوس: رأيت هنا سلاحًا لي وأخذت أُجدّف باسمه. كنت أقول: أمّي، أُقسِم بالله بأنّ..." وهكذا، كنت أتحاشى القصاصات. تصوّروا أكاذيبي، مُشركةً اسم الربّ الكلّي القداسة...
     إنتبهوا، يا إخوتيّ وأخواتي، أنّ الكلام لم يكن عبئًا أبدًا، فعندما لم تكن أُمي تُصدّقني، اعتدت أن أقول لها: "أمّي، إذا كذبت، فليضربْني البرق هنا والآن". وحتّى لو أنّ الكلام ذهب مع الوقت، حدث أنّ الصاعقة ضربتني فعلاً فحَّمتني، وبفضل الرحمة الإلهيّة أنا هنا الآن.
     أُظْهرَ لي كيف أنّني أنا التي كنت أدّعي بأنّني كاثوليكيّة، لم أكن أحترم أيًّا من وعودي، وكم كنت أحلف باسم الله بالباطل.
     فوجئت برؤية تلك المخلوقات الرهيبة المحيطة بي، كانت تسجد عابدةً، في حضرة الربّ. ورأيت العذراء مريم عند قدمَي الربّ تُصلّي وتتشفّع لأجلي.
     في ما يتعلّق باحترام يوم الربّ (الوصيّة الثالثة)، كنت أدعو إلى الشفقة وأشعر لذلك بألمٍ حادّ. كان الصوت يقول لي أنّني كنت أُمضي الأحد أربعَ ساعاتٍ أو خمسًا أهتمّ بجسدي؛ لم يكن لديّ حتّى عشر دقائق شكر أو صلاة أكرّسها للربّ. إذا بدأت مسبحة، كنت أقول لنفسي: "يمكنني القيام بذلك خلال الإعلان، قبل المُسلسَل". نكراني للجميل نحو الربّ بُكِّتُ عليه. عندما لم أكن أريد حضور القدّاس، كنت أقول لأمّي: "الله في كلّ مكان، فلِمَ عليّ الذهاب إلى هنا؟..." ذكّرني الصوت كذلك بأنّ الله كان يسهر عليّ ليل نهار، وأنّني لم أكن في المقابل أُصلّي إليه إطلاقًا؛ والأحد، لم أكن أشكره ولا أُظهر له عرفاني الجميل أو حُبّي. إلاّ أنّني كنت أعتني بجسدي، كنت عبدة له، وكنت أنسى كلّيًّا أنّ لي نفسًا وأنّ عليّ تغذيتها. لكنّني لم أكن أُغذّيها أبدًا من كلمة الله، لأنّني كنت أقول إنّ مَن يقرأ كلمة الله يغدُ مجنونًا.
     في ما يتعلّق بالأسرار، كان كلّ شيء عندي خطأ. كنت أقول أنّني لن أذهب لأعترف أبدًا، لأنّ أولئك السادة الكبار في السنّ كانوا أسوأ منّي. كان الشيطان يُحوّلني عن الاعتراف، وهكذا كان يمنع نفسي من أن تكون نظيفة وتُشفى. كان نقاء نفسي الأبيض يدفع الثمن في كلّ مرّة كنت أُخطئ. كان إبليس يترك دمغته عليه: دمغة مُعتِمة. باستثناء مناولتي الأولى، لم أقُمْ أبدًا باعتراف صالح. انطلاقًا من هنا، لم أتلقَّ ربّنا باستحقاق أبدًا. إنعدام تماسك حياتي بلغ درجة بحيث كنت أُجدّف: "الإفخارستيّا المقدّسة؟ أيمكننا تصوّر الله الحيّ في قطعة خبز؟" إلى هنا اقتصرت علاقتي بالله. لم أُغذِّ نفسي أبدًا، وأسوأ بَعدُ، كنت أنتقد الكهنة في استمرار. كان عليكم أن تروا كم كنت أدأب على ذلك! منذ نعومة أظافري، كان أبي مُعتادًا القول أنّ أولئك القوم كانوا متهتكّين أكثر من العلمانيّين. وقال لي الربّ: "مَنْ أنت لتديني هكذا مسحائي؟ إنّهم بشر، وقداسةُ كاهن تسندها جماعته التي تُصلّي لأجله، تُحبّه وتعضده. عندما يرتكب كاهن خطأ، جماعته هي المدينة بذلك، إنّما لا هو". في وقت ما من حياتي، اتّهمت كاهنًا باللواط وأُعلمت الجماعة بذلك. لا يمكنكم تصوُّر السوء الذي ارتكبته!
     في ما يتعلّق بالوصيّة الرابعة: "أكرم أباك وأمّك"، كما قلت لكم، أراني الربّ نكران الجميل نحو والدَي. كنت أتشكّى لأنّهما لم يكونا يستطيعان تقديم أشياء كثيرة لي يمتلكها رفاقي. كنت جاحدة نحوهما لكلّ ما فعلاه لأجلي، وحتّى وصلت إلى حدّ كنت أقول فيه إنّني لم أكن أعرف أمّي لأنّها لم تكن في مستواي. بالفعل، دفعت فواتير الطبيب والصيدلي عندما مرض والداي، إنّما بما أنّني كنت أحلّل كلّ شيء بموجب المال، استفدت إذاك من الأمر للتلاعب بهما، وتوصّلت بذلك إلى سحقهما.
     شقّت عليّ رؤية أبي يبكي بحزنٍ، فعلى رغم أنّه كان أبًا صالحًا علّمني العمل بشدّة وإقدام، نسي تفصيلاً مهمًّا: أنّ لي نفسًا، وأنّ حياتي بدأت تتأرجح بمثاله السيّئ. كان يُدخّن، يشرب ويُطارد النساء إلى حدّ أنّني اقترحت على أمّي أن تهجر زوجها: "يجب ألاّ تستمرّي وقتًا أطول مع رجل مثل هذا. كوني جديرة، أرِه أنّك تساوين شيئًا ما". وأجابت أمّي: "لا، يا عزيزتي، إنّني أتألّم، لكنّني أضحّي بنفسي لأنّ لي سبعة أولاد ولأنّ أباك يبدو أبًا صالحًا في آخر النهار، لن أستطيع الرحيل وفصلكم عن والدكم؛ وفوق ذلك مَن سوف يُصلّي لخلاصه، إذا رحلت؟ إنّني الوحيدة القادرة على القيام بذلك، لأنّ كلّ تلك الآلام والجراح التي يُلحقها بي، أضمّها إلى عذابات المسيح على الصليب. كلّ يوم أقول للربّ: "ليس ألمي شيئًا مقارنةً بصليبك، لذا، أرجوك، خلّص زوجي وأولادي". أمّا أنا، فلم أكن أنجح في فهم ذلك وغدوت متمرّدة، بدأت أدافع عن النساء، أُشجّع الإجهاض، والمساكنة والطلاق.
     حين وصلنا إلى الوصيّة الخامسة، أراني الربّ القاتلَ الرهيب الذي كنته بارتكاب أرهب الجرائم: الإجهاض. إلى ذلك، موّلت إجهاضات عدّة، لأنّني كنت أنادي بأنّ امرأةً تملك حقّ اختيار أن تكون حُبلى أو لا. أعطي لي أن أقرأ في كتاب الحياة، وتمزّقت تمامًا من أنّ فتاة في الرابعة عشرة أجهضت بناء على نصائحي. أعطيتُ كذلك نصائح سيّئة لفتيات صغيرات ثلاث منهنّ كن نسيباتي، مُتحدّثة إليهنّ عن الإغراء، والموضة، ناصحةً إياهنّ بأن يستفدْن من جسدهن، وقائلةً لهنّ إنّ عليهنّ استخدام وسائل منع الحمل. كان ذلك نوعًا من إفساد القاصرين الذي يُفاقم خطيئة الإجهاض الرهيبة.
     في كلّ مرة يُراق دم جنين، تلك محرقة لإبليس، تجرح الربّ وتُرجفه. رأيت في كتاب الحياة كيف كانت تتكوّن نفسنا، البرهة التي تصل فيها البذرة إلى البيضة. شرارة جميلة تلتمع، نورٌ يشعّ من شمس الله الآب. ما أن يُبذَر بطن الأم، حتّى يُضاء بنور النفس. خلال الإجهاض، تنوح النفس وتصرخ ألمًا، ويُسمعُ صراخًا في السماء التي تزعزع. هذا الصراخ يتردّد كذلك في جهنّم، إنّما هنا صراخ فرح. كم من أجنّة يُقتلون كلّ يوم! إنّه انتصار لجهنّم. أنّ ثمن هذا الدم البريء يُحرّر كلّ مرّة شيطانًا إضافيًّا إلى الأرض. أنا غمست يدَيّ في هذا الدم وغدت نفسي غارقة كلّيًّا في الظلام. على أثر تلك الإجهاضات فقدت الوعي بالخطيئة. بالنسبة إليّ، كلُّ شيء كان على ما يُرام. وماذا أقول عن كلّ أولئك الأجنّة الذين رفضت حياتهم بسبب مانع الحَمْل الذي كنت أستخدمه! ليس مُدهشًا أنّني كنت دائمًا عنيفة ومُحبطة ومُكتئبة. وكنت أغرق أكثر بَعدُ في الهوّة. كيف كان يمكنني التأكيد أنّني لم أقتُل أبدًا.
     وكلّ أولئك الأشخاص الذين احتقرتهم وكرهتهم ولم أُحبّهم. هنا أيضًا، كنت قاتلة لأنّنا لا نموت فقط من رصاصة مسدّس. يمكننا أن نقتل كذلك حين نكره ونرتكب أفعال الشرّ ونحسد ونغار.
     في ما يتعلّق بالوصيّة السادسة (لا تزنِ)، كان زوجي رجل حياتي الوحيد. إنّما أعطوني أن أرى أنّني في كلّ مرّة كنت أكشف عن صدري وألبس سراويل ضيّقة، كنت أُحرّض الرجال على الفسق وأقودهم إلى الخطيئة. إلى ذلك، كنت أنصح النساء المخدوعات بأن يكنّ خائنات لأزواجهنّ، كنت أكرز ضدّ المغفرة وأُشجّع على الطلاق. إذاك تحقّقتُ من أنّ خطايا الزنا بغيضة وتستوجب العقاب، حتّى لو أنّ العالم الراهن يجد مقبولاً تصرُّفنا تصرُّف حيوانات.
     كان مؤلمًا على نحو خاص رؤية كم خطايا زنا أبي جرحت أولاده. إنّ إخوتي الثلاثة صاروا نسخًا طبق الأصل عن أبيهم، متهتّكين وسكّيرين، ولم يكونوا يعون الأذى الذي يُسبّبونه لأولادهم. لهذا السبب كان أبي يبكي بكثير من الحزن وهو يكتشف أنّ المثال السيّئ  الذي أعطاه ارتدّ عليّ، وعلى أولاده وأحفاده.
     أمّا الوصيّة السابعة، لا تسرق، فأنا التي كنت أعتبر نفسي شريفة، أراني الربّ أنّ الطعام كان مُبَدّدًا في منـزلي، بينما كانت بقيّة الناس تُعاني الجوع. قال لي: "كنت جائعًا وانظري ما فعلته بما أعطيتك إيّاه؛ كم بدّدتِ! كنت بردانًا وانظري كيف كنت عبدة الموضة والمظاهر، راميةً مالاً كثيرًا في حمياتٍ لتنحفي. صنعتِ من جسدك إلهًا"! أفهمني أنّ لي نصيبي من الذنب في فقر بلادي. أظهر لي أيضًا أنّني في كلّ مرّة كنت أنتقد أحدًا ما، كنت أسرق كرامته. كان أسهل لي أن أسرق مالاً، لأنّ المال يمكننا دائمًا إعادته، لكن السمعة! إلى ذلك، كنت أختلس من أبنائي نعمة أن يحظَوا بأمّ حنون ملؤها حبّ. كنت أتخلّى عن أبنائي من أجل العالم، كنت أتركهم أمام التلفزيون، مع الكومبيوتر وألعاب الفيديو. ولأمنح نفسي ضميرًا حسنًا، كنت أشتري لهم ثيابًا رفيعة. كم ذلك رهيب! أي حزن هائل.
     في كتاب الحياة، نرى كلّ شيء كما في فيلم. كان أبنائي يقولون: "لنأمَلْ بألاّ تعود أمّنا باكرًا جدًّا وتحدث زحمات سير لأنّها مزعجة غضوب". في الواقع، سرقتُ منهم أمّهم، سرقت منهم السلام الذي كان مفروضًا عليّ حمله إلى بيتي. لم أعلّمهم حُبّ الله ولا حُبّ القريب. الأمر بسيط: إنْ لم أُحبّ إخوتي، فلا علاقة لي به كذلك.
     الآن، سوف أتكلّم عن شهادات الزور والكذب، لأنّني غدوت خبيرة في هذا الموضوع. لا وجود لأكاذيب بريئة، كلّها من إبليس الذي هو أبوها. الآثام التي ارتكبتها باللسان كانت حقًّا مُرعِبة. رأيتُ كم جرحت بلساني. في كلّ مرّة كنت أذمّ الناس، أسخر من أحدهم أو أنعته بكنيةٍ تحطّ من قدره، كنت أجرح هذا الشخص. كم يمكن لكنية أن تجرح! كان يمكنني أن أُعقّد امرأة بمناداتها: "الضخمة"...
     خلال هذه الدينونة في الوصايا العشر، أُظْهر لي أنّ كلّ آثامي كان سببها الطمع، هذه الرغبة السيّئة. لقد رأيت نفسي دائمًا سعيدة مع مال كثير. وغدا المال هَوَسي. ذلك مُحزنٌ حقًّا، فبالنسبة إلى نفسي، أرهب الأوقات كانت تلك التي كنت أملك فيها مالاً كثيرًا. فكّرت حتّى بالانتحار. كنت أملك كثيرًا من المال وأجد نفسي وحيدة، فارغة، عنيفة ومكبوتة. هوس المال هذا حوّلني عن الربّ وجعلني أفلت من يديه.
     بعد اختبار الوصايا العشر، أرَوني كتاب الحياة. أُحبّ امتلاك الكلمات لأصفه. كتاب حياتي بدأ عند الحَبَل، عندما اتّحدت خليّتا والدَيّ. حدثت شرارة فورًا تقريبًا، انفجارٌ رائع، وتكوّنت نفسٌ هكذا، نفسي، خلقتها يدا الله أبينا، وهو إلهٌ شديد الصلاح! كم ذلك رائع! ساهرٌ علينا أربعًا وعشرين ساعة! كان حُبّه عقابي، لأنّه لم يكن ينظر إلى جسدي الشهواني بل إلى نفسي، وكان يرى كم كنت أبتعد عن الخلاص. قبل أن أُنهي، أريد أن أعطيكم مثلاً على جمال كتاب الحياة.
     كنت خبيثة جدًّا، كنت أقول لصديقة: "أنت فاتنة في هذا الثوب، إنّه يناسبك جيّدًا"! إنّما كنت أفكّر في سرّي: "هذا اللباس بَشع، وتعتبر نفسها ملكة"!
     في كتاب الحياة، كلُّ شيء يظهر بالضبط كما فُكّر به، بالكلمات نفسها، كما المحيط الداخلي للنفس. كلّ أكاذيبي كانت معروضة ليتمكّن كلّ واحد من رؤيتها. غالبًا ما كنت أتسكّع خارج المدرسة، لأنّ أمّي لم تكن تدعني أذهب حيثما أريد. كنت أكذب عليها في شأن عمل بحثي في مكتبة الجامعة، وكنت في الواقع أذهب لمشاهدة فيلم خلاعي، أو كنت أمضي إلى بار لأشرب جعة مع أصدقاء. لكنّ أمي رأت حياتي تتتابع، ولم يفتها شيء.
     كتاب الحياة جميلٌ جدًّا حقًّا. كانت أمّي معتادة أن تضع في سلّة غذائي موزات، هريسة غوافا وحليبًا، لأنّنا كنّا فقراء جدًّا حين كنت صغيرة. كنت آكل الموزات وأُلقي القشور أينما كان، من دون أن أعي أنّ أحدًا ما كان يمكنه أن ينـزلق فوقها ويجرح نفسه. أراني الربّ شخصًا انزلق فوق إحدى قشرة موز، وكان يمكنني أن أقتله بانعدام رأفتي. المرّة الوحيدة التي أدّيت فيها اعترافًا صحيحًا، مع أسفٍ وندم، كانت عندما ردّت امرأةٌ لي كثيرًا من المال. لقد أعطتني 4500 بيزوس (Pesos) زيادة، كان ذلك في محلّ تغذية في بوغوتا. أبي علّمنا أن نكون شرفاء، وعدم أخذ مال الآخرين أبدًا. أدركت خطأها في السيارة وأنا ذاهبة إلى العمل. "هذه الحمقاء أعطتني 4500 بيزوس زيادة، وينبغي أن أعود إلى هناك الآن"! كانت زحمةُ سيرٍ خانقة، لذا قرّرت عدم العودة. على كلّ حالٍ، لِمَ كانت بهذا الغباء؟ لكن الجرح بقي لأنّ أبي زرع فيّ بذرة النـزاهة. لذا ذهبت للاعتراف الأحد التالي، مُتّهمة نفسي بسرقة تلك البيزوسات الـ 4500، بما أنّني لم أردّها. لم أُعِرْ انتباهي حتّى كلمات الكاهن. ما عاد يستطيع الشيطان اتّهامي بالسرقة. إنّما أتريدون معرفة ما قال لي الربّ؟ "إنّك لم تُعوّضي انعدام المحبّة هذا، لم يكن ذلك سوى مصروف جيب بالنسبة إليك، إنّما بالنسبة إلى تلك المرأة التي لم تكن تكسب سوى الحدّ الأدنى، كان هذا المبلغ يُمثّل ما يُعادل ثلاثة أيّام طعام". الأحزن أنّه أراني كم عانت وحرمت نفسها خلال أيّام عدّة. بسببـي جاع صغيراها. هكذا يُرينا الله الأمور. لقد أظهر لي كيف يمكن أن يعاني الآخرون بسبب أفعالي.
     وسألني الربّ: "أيّ كنوز روحيّة تحملين؟" كنوز روحيّة؟ يداي فارغتان! إذاك قال لي: "ماذا يُفيدك امتلاك شقّتين، ومنازل ومكاتب، إنْ كنت لا تستطيعين حتّى أن تجلبي لي قليلاً من الغبار على الأقلّ؟ وكنت تعتقدين بأنّك نجحت؟ ماذا فعلت إذًا بالمواهب التي منحتك إيّاها؟" كنت أُفكّر: مواهب؟ "كانت لديك رسالة. هذه الرسالة كانت الدفاع عن ملكوت الحبّ، ملكوت الله". نسيتُ أنّ لديّ نفسًا، لذا كيف كان بإمكاني أن أتذكّر أنّ لديّ مواهب، إنّني كنتُ يدَيّ الله المباركتين؟ كلّ ذلك الخير الذي لم أُحسِنْ صنعه جَرَحَ الربّ.
     أتريدون معرفة ما رواه لي الربّ أيضًا؟ انعدام حبّي ورأفتي! إذاك حدّثني عن موتي الروحيّ. كنت حيّة إنّما ميتة في الواقع. لو يمكنكم أن ترَوا ما هو الموت الروحيّ. إنّه مثل نفس حاقدة، نفسٍ عنيفة على نحو رهيب وكارهة كلّ شيء، ملؤها خطايا وتجرح الجميع. كان يمكنني أن أرى نفسي من الخارج، طيّبة الرائحة وحسنة اللباس، إنّما في الداخل نتانة حقيقيّة وساكنة في أعماق الهوّة. ليس مُدهشًا إن كنت ساخطة ومُكتئبة!
     وقال لي الربّ: "بدأ موتك الروحيّ عندما لم تعودي تشعرين بالقريب. كنت أحذّرك وأنا أريك ضيقهم. عندما كنت ترين التحقيقات عن جرائم القتل والخطف ووضع اللاجئين، كنت تقولين بالفم: يا للمساكين، كم ذلك مُحزن! إنّما في الحقيقة، لم تكوني تتألّمين لأجلهم، لم تكوني تشعرين بشيء في قلبك. الخطيئة حوّلت قلبك حجرًا ".
     لا يمكنكم تصوّر كم كان حزني هائلاً عندما انغلق كتاب حياتي ثانية. كنت أتألّم لأجل الله، أبي، لتصرّفي هكذا، فعلى رغم كلّ خطاياي وقذارتي وكلّ لامبالاتي ومشاعري الرهيبة، سعى الربّ دومًا حتّى النهاية إلى إدراكي. كان يُرسل إليّ أناسًا يمارسون تأثيرًا جيّدًا. حماني حتّى النهاية. الله يتوسّل منّا اهتداءنا!!!
     لم أكن أستطيع لومه على إدانتي! بالتأكيد لا. بإرادتي الخاصّة اخترت أبًا غير الله. اخترتُ إبليس، كان هو بمثابة أبي. عندما انغلق الكتاب ثانية، لاحظت أنّني كنت أتوجّه نحو بئر لها باب في القعر. وفيما كنت أنزل داخلها، بدأت أدعو كلّ قدّيسي السماء ليُخلّصوني. ليست لديكم فكرة عن كلّ القدّيسين الذين تذكّرتهم، ومع أنّني كاثوليكيّة سيّئة. كنت أُفكّر أنّه بإمكاني طلب نجدة القدّيس إيزيدور أو القدّيس فرنسيس الأسيزي، وعندما نفذت لائحتي، حلّ الصمت وشعرت بفراغ عظيم وألم عميق.
     كنت أفكّر بأنّ الجميع على الأرض كانوا يعتقدون بأنّني متُّ برائحة القداسة، ربّما كانوا يتوقّعون حتّى طلب شفاعتي. وانظروا أين كنت أحطّ! رفعت عينيّ والتقى نظري نظر أمّي. صرخت نحوها، بألمٍ حادّ: أُمّي، كم أنا خَجِلة! لقد أُدِنْت يا أمّي! حيث اذهب، لن أراك ثانية أبدًا!"
     في تلك البرهة، مُنِحت نعمة رائعة. كانت تقف من دون أن تتحرّك لكن أصابعها أخذت تُسدِّد نحو العُلى. انفصلت قشرتان بألمٍ عن عينيّ: العمى الروحيّ. إذاك رأيت ثانية لحظة من حياتي الماضية، عندما قال لي أحد مرضاي يومًا: "دكتورة، أنّك ماديّة جدًّا، وسوف تحتاجين يومًا إلى هذا: في حال خطر داهم، أُطلبي من يسوع المسيح أن يكسوك بدمه، لأنّه لن يتخلّى عنك أبدًا. لقد دفع دمه ثمنًا لأجلك". أخذت أنتحب، بخجلٍ هائل: "أيّها الربّ يسوع، أشفِقْ عليّ! إغفِرْ لي، إمنحني فرصة ثانية!" وانفتحت لي أجمل لحظة في حياتي، لا أملك كلمات لأصفها. أتى يسوع وأخرجني من البئر. رفعني وانبطحت كلّ تلك المخلوقات الرهيبة أرضًا. حين وضعني، قال لي بكلّ حبّه: "سوف تعودين إلى الأرض، أمنحك فرصة ثانية". لكنّه أوضح أنّ ذلك لم يكن بسبب صلواتي عائلتي. "عدلٌ من جانبهم التضرّع لأجلك. إنّما ذلك بفضل تشفّع كلّ الذين هم غرباء عنك وقد بكَوا وصلّوا ورفعوا قلوبهم بحبّ عميق لك". رأيت الناس الذين كانوا يصلّون لأجلي. إنّما كانت هناك شعلة أكبر بكثير، تلك التي كانت تمنحني أكثر نورًا، تلك التي ينبعث منها الحبّ الأكثر. كنت أُحاول تمييز مَن كان ذلك الشخص. فقال لي الربّ: "إنّ مَن يحبّك إلى هذا الحدّ حتّى لا يعرفك". وشرح لي أنّ ذلك الرجل رأى قصاصة صحافة بالأمس. كان فلاّحًا فقيرًا يسكن عند سفح السييرا نيفادا سانتا مارتا (Serra Nevada de Santa Marta) (شمال شرق كولومبيا). ذلك الرجل المسكين ذهب إلى المدينة ليشتري سُكّر قصب. وعُبّئ السكّر في ورق صحيفة ورأى صورتي، وأنا محترقة كلّيًّا. عندما رآني الرجل هكذا، حتّى من دون أن يقرأ المقال كاملاً، خرّ على ركبتيه وبدأ ينتحب بحبّ عميق. وقال: "أيّها الربّ الإله، أشفِق على أختي الصغيرة. يا ربّ، خلّصها. أنظر، يا ربّ، إذا خلّصت أختي الصغيرة، فإنّني أعِدك بأنّني سوف أحجّ إلى معبد ربّنا في بوغا (Buga) (جنوب غرب كولومبيا)، إنّما أرجوك، خلّصها". كان يملك بدلاً من ذلك قدرة على الحبّ، وكان يعرض نفسه لعبور منطقة لأجل أحدٍ ما لم يكن حتّى يعرفه! وقال لي الربّ: "هذا هو حُبّ القريب!" وأضاف: "ستعودين وتُردّدين لا ألف مرّة، بل ألف ألف مرّة ذلك. والويل لِمَن لن يتبدّلوا بعد سماعهم شهادتك، لأنّهم سوف يُدانون على نحو أقسى، كما أنت عندما تعودين إلى هنا يومًا، كذلك بالنسبة إلى مُسحائي الكهنة، فليس أسوأ من الصمم إلاّ عندما نرفض الاستماع"!
     وهذا ليس  تهديدًا، يا إخوتي وأخواتي. لا يحتاج الربّ إلى تهديدنا. هذه فرصة تُعرض لكم، ولله الشكر، فقد عشت ما لزمني أن أعيشه. حين سيموت كلّ منكم وينفتح كتاب حياته أمامه، سوف تَرون كلّ ذلك كما رأيتُه. وسوف نلتقي كلّنا كما نحن، الفارق الوحيد هو أنّنا سوف نشعر بأفكارنا في حضرة الله، والأجمل هو أنّ الربّ سيكون في مواجهة كلّ منّا، "متسوّلاً" دومًا اهتداءنا، لنغدو مخلوقًا جديدًا معه، لأنّنا لا نستطيع أن نفعل شيئًا من دونه.
     ليبارك الربّ كُلاًّ منا بوفرة! المجد لله! المجد لربّنا يسوع المسيح!

نهاية الأزمنة مع الأب رالف طنجر

نهاية الأزمنة مع الأب رالف طنجر 


ما هو المطهر؟

ععقيدة المطهر


المطهر هو مكان للألم والقصاص، حيث العدالة الإلهيّة تطهّر الأنفس لتصبح مستعدة لدخول الملكوت ، إنه مكان وسطي بين السماء حيث الفرح الأبدي، والجحيم حيث الألم الأبدي، فهو قريب من الجحيم بآلامه المبرحة، وقريب من السماء بتقديس الأنفس المتألمة، إنه نار آكله، إنما مطهرة .

البروتستانت يعتبرونه بدعة بشرية , الأورثوذكس فكرة لاهوتية , أما الكاثوليك فهو عندنا عقيدة إيمانية (عقيدة يقرها المجمع التردنتيني دنتزنغر 1820).
وجوهر هذه العقيدة يتلخص بأمرين: إمكانية تكفير التائب عن خطاياه بعد هذه الحياة وفعالية صلاة الأحياء في خلاص الموتى المؤمنين .
نص العقيدة :
«في مجمع ليون الثاني ( 1274) حيث أعلنت شهادة إيمان ميخائيل باليولوغس، إمبراطور القسطنطينية: إن مات المؤمنون التائبون حقا في المحبة، قبل أن يكفرِّوا بثمار لائقة بالتوبة، عما إرتكبوه أو أهملوه، فستطهَّر نفوسهم بعد الموت بعقوبات مطهِّرة.
هذا وإن تشفاعات المؤمنين الأحياء ستفيدهم للتخفيف عن هذه العقوبات، وهي ذبيحة القداس والصلوات والصدقات وسائر أعمال التقوى التي إعتاد المؤمنين أن يقوموا بها من أجل سائر المؤمنين، بحسب ما أنشأته الكنيسة».[6]
 نتكلم عن المطهر إنطلاقاً من هذا النص في أربعة نقاط كالآتي:
1- إثباتات العقيدة
أولاً- الكتاب المقدس
أ‌. العهد القديم
سفر المكابيين الثاني 42:12-46 “واخذوا يصلون ويبتهلون إليه أن يمحوا تلك الخطيئة، وبعد ذلك بدأ يهوذا النبيل يعظ الحاضرين ……لهذا قدم الكفارة عن الموت ليغفر الرب لهم خطاياهم”.
يوضح النص أن الصلاة هي من اجل غفران خطايا الّذين ماتوا بخطاياهم، ولكن كيف تغفر الخطايا بعد الموت؟ كيف يتطهر الإنسان من خطاياه ويقدم كفارة عنها، إن كان هناك مكانين (حالتين) فقط السماء وجهنم ولا ثالث لهم؟ لذلك النص يدعو كل إنسان للتفكير في هذا العمل الذي قام به يهوذا المكابي.

ب‌. العهد الجديد
متى 32:12
يقول الرب:”كل من قال كلمة على الروح لا يغفر له لا في هذا الدهر ولا في الأتي”.
 يظهر من النص في كلام يسوع، إنه توجد خطايا تغفر في هذه الدنيا وخطايا تغفر في الحياة الأخرى. وهنا نتسأل كما في السابق كيف تغفر الخطايا بعد الموت؟ كيف يتطهر الإنسان من خطاياه ويقدم كفارة عنها إذا كان هناك حالتين السماء وجهنم ولا ثالث لهم كما يقول البعض؟ فأين المكان التي تغفر فيه الخطايا؟
متى25:5-26// لو58:12-59
“سارع إلى إرضاء خصمك ما دمت معه في الطريق لئلا يسلمك الخصم إلى الشرطي فتلقى في السجن الحق أقول لك: لن تخرج منه حتى تؤدي أخر فلس “.
– طلب التوبة في الحياة أي قبل الموت والوقوف أمام الديان، وإذا مات الإنسان وعليه دين أي غير تائب فانه يلقى في السجن (المطهر) ولن يخرج منه حتى يوفي كل ما عليه أي يتطهر
تماما من خطاياه.
السجن هو المطهر وليس جهنم لان من يدخل جهنم لا يخرج، فهي مصيرا أبدي أما هنا فيشير إلى الخروج (لن يخرج) وبالطبع ليس السماء لأنها ليست سجن بل هي الفرح الدائم مع الرب. إذا السجن هنا إشارة إلى وجود مكان ثالث يوفي فيه الإنسان دين كان يجب إيفائه على الأرض ونسميه المطهر. [7]

“سيظهر عمل كل واحد، في يوم الله سيُعلنُه، لأنه في النار سيكشف ذلك اليوم، وهذه النار ستمتحن قيمة عمل كل واحد. فمن بقى عمله الّذي بناه على الأساس نال أجرة ومن احترق عمله كان من الخاسرين أما هو فسيخلص ولكن كمن يخلص من خلال النار”. كور 3:13-15

– الأساس هنا هو السيد المسيح وكل من يبنى عمله عليه ينال اجره أي انه سيخلص. ولكن من خسر عمله إنما يخلص ولكن من خلال النار، أي لابد أن يجتاز النار وهذا هو الجهد الّذي من خلاله يخلص الإنسان.
“مع إن المقصود في قول بولس ليس نار المطهر بل مجرد تشبيه يريد منه الإشارة إلى صعوبة الخلاص”[8].

ثانياً- أقوال بعض الآباء عن المطهر
القديس قبريانوس يقول:”بأن التائبين الّذين ماتوا بعد أن غُفرت خطاياهم، يجب عليهم أن يؤدوا في الحياة الأخرى ما تبقى عليهم من التعويض المفروض، بينما الشهادة هي بمثابة تعويض كامل وافٍ. ليس بسيان غسل النفس من الخطايا باحتمال عذاب أليم طويل والتطهير بالنار وغسل النفس من الخطايا بشهادة الدم”[9].

أوغسطينوس يقول: “بعض الناس لا يعانون العذبات الزمنية إلا في هذه الحياة، وبعضهم بعد الموت فقط، وغيرهم في هذه الحياة وبعد الموت. إلا انهم جميعا يقفون بين يدي هذه المحكمة الصارمة الأخيرة”[10].

– واضح من كلام القديس أوغسطينوس أن المطهر ليس حالة تبدأ بعد الموت، ولكن بما أنها حالة اكتمال تكفير، فالتكفير يبدأ من هنا على الأرض ويكتمل بعد الموت، إذا يبدأ المطهر من هنا على الأرض. وبالتالي يمكن تفنيد كلامه إلى ثلاثة حالات كالآتي:
 1)  “بعض الناس لا يعانون العذابات الزمنية إلا في هذه الحياة “، وهنا يقصد بهم الشهداء والقديسين الّذين عاشوا تحت نير الاضطهادات والآلام وماتوا من اجل المسيح.
  2)  “بعضهم بعد الموت فقط “، وهنا قد يقصد الأشخاص الذين ماتوا دون أي تكفير عن خطاياهم في الحياة.
  3)   ” بعضهم في هذه الحياة وبعد الموت”، أي الأشخاص الّذين بدءوا مرحلة التكفير على الأرض وفاجأهم الموت، وبالتالي لابد أن يكتمل تكفيرهم هذا. وذلك يكون بعد الموت. إذا يمكن القول إن المطهر يبدأ على الأرض. يتضح لنا من هذه الاشتشهادات أن المطهر هو حالة تكفير بل اكتمال .
للكلام عن المطهر لابد من البدء بالكلام عن الدينونة الخاصة، حيث لا يذهب إلى المطهر أو السماء أو جهنم إلا من اجتاز الدينونة الخاصة، أي بصفة فردية ومن خلالها تقرر مصيره في أي من الثلاث حالات السابقة الذكر.
أولا- الدينونة الخاصة في الكتاب المقدس(ع. ج)
تستند الكنيسة الكاثوليكية في كلامها عن الدينونة الخاصة إلى أماكن كثيرة في العهد الجديد منها كلام السيد المسيح . (لو 16: 22-23,لو 43:23 , مر45:9 , لو 12:47 , متى32:12 , في 23:1 , رؤ 14:13)
1. لو16: 22-23 مثل الغني ولعازر 
– يصور يسوع بهذا المثل حالة الإنسان بعد موته مباشرة، ويوضح أن دينونة الإنسان هي بعد موته . 
على أي أساس يذهب هذا إلى حضن إبراهيم؟ والآخر إلى العذاب؟ وعلى أي أساس لعازر يُعزى والغنى يتعذب؟ إنها إذا دينونة خاصة يمتثل أمامها الشخص بعد الموت مباشرة، ويتحدد عليها مصيره في السماء إما في المطهر إما في جهنم. 
– في متى 5 (25-26):-
“كن مراضيًا لخصمك سريعًا ما دمت معه في الطريق، لئلا يسلمك الخصم إلى القاضي، ويسلمك القاضي إلى الشرطي، فتلقي في السجن. الحق أقول لك: لا تخرج من هناك حتى توفي الفلس الأخير”.
فهذا السجن ما هو إلا المطهر حيث يوفي الانسان ما عليه من حقوق نتيجة خطاياه التي لا تسقطه في جهنم لكنها ايضا لا تسمح له بدخول الملكوت . فليس عليه ثياب العرس بعد. والعدل الالهي يتطلب ان يتطهر كل واحد غير مستحق قبل دخول الملكوت السماوي
ما هي الدينونة الخاصة إذا؟ 
«هي دينونة الله لكل إنسان عند الموت مباشرة والتي سنقف فيها بمفردنا أمام منبر المسيح الديان العادل».
ثانياً- الخطيئة والعقاب
من بين أساسيات المطهر الخطيئة والعقاب، فالخطايا بينها تفاوت وليس على مستوى واحد، وهكذا يكون العقاب فهو مختلف باختلاف الخطيئة، لابد أن يكون القصاص عادلا.
1: التفاوت بين الخطيئة
التفاوت بين الأشياء هو من طبيعة الحياة، ليس هناك أشياء على مستوى واحد، ما هو جميل يوجد اجمل منه، وما هو قبيح يوجد اقبح منه وهكذا ………وفي الخطيئة يوجد هذا التفاوت، ففيها الخطيئة الكبيرة والصغير ة؛ وتسميها الكنيسة في لاهوتها الخطيئة المميتة، والخطيئة العرضية، هناك الخطيئة التي تغفر والتي لا تغفر.
كما أن هناك الخطيئة التي تؤدي إلى الموت جهنم الأبدية، والخطيئة التي لا تؤدي إلى جهنم ولكنها أيضا لا يدخل بها الإنسان السماء، وهنا المطهر حيث التطهير من هذه الشوائب للخطيئة. لهذا الكلام أدلة في الكتاب المقدس، العهد الجديد.
* متى 3:7-5
«لماذا تنظر إلى القذى الّذي في عين أخاك والخشبة التي في عينك أفلا تأبه لها؟ بل كيف تقول لأخيك: “دعني اُخرج القذى من عينك فها هي ذي الخشبة في عينك”، أيها المرائي أخرج الخشبة من عينك أولاً وعندئذٍ تبُصر فُتخرج القذى من عين أخيك».
واضح من النص أن هناك تفاوت بين الخطايا (القذى – الخشبة).
* يوضح ويؤيد هذا الكلام قول السيد المسيح في متى 31:12-32 “لذلك أقول لكم: كل خطيئة وتجديف يغفر للناس أما التجديف على الروح، فلن يغفر. ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر، له أما من قال على الروح القدس، فلن يغفر له لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة”. اي ان هناك مكان تغفر فيه الخطايا بعد الحياة في هذه الدنيا .
هناك تفاوت في العقاب،وذلك حسب قول المسيح :”يُجازي كل واحدٍ حسب أعماله”. متى 27:16.
2: عقاب الخطيئة
بداية نقول إن غفران الخطيئة شيء، وعقاب الخطيئة شيء آخر، فغفران الخطايا لا يمنع من العقاب والتكفير عنها واشتراكنا في آلام المسيح وحيث نتألم معه نتمجد معه رو17:8.
فالعقاب هو بمثابة تطهير للنفس، كما تطهر النار الحديد من الصدأ ليرجع إلى طبيعته الأولى، هذا العقاب يكون على قدر الخطيئة، يقول السيد المسيح ” يكال لكم بما تكيلون ” متى1:7.
حيث الخطيئة هناك العقاب الّذي يرجع به الإنسان إلى طبيعته الأولى ويتمم الغفران. هذا العقاب الّذي هو بمثابة تكفير إن لم يكتمل في هذه الدنيا، لابد أن يكتمل في الآخرة أي في المطهر قبل الدخول إلى الحياة الأبدية .

من هو ميخائيل رئيس الملائكة؟

من هو ميخائيل رئيس الملائكة؟
“ميخائيل” هي كلمة عبرية معناها "مَنْ مثل الله؟"

وهذه العبارة قالها الملاك ميخائيل حينما حارب الشيطان الذى تكبر على العلى وقال فى قلبه ” أصعد إلى السموات أرفع كرسى فوق كواكب اللـه وأجلس على جبل الإجتماع فى أقاصى الشمال ، أصعد فوق مرتفعات السحاب ، أصير مثل العلي ” ( أش 14 : 13 – 14 ) .

وهي مكونة من مقطعين: الأول: ميخا = قوة ، الثاني: ئيل = الله

فيكون المعنى العام للكلمة قوة الله، أو من مثل الله (في القوة) وهو إسم يدل على ما أعطاه الله من قوة ومقدرة وسمو وقداسة.

 

مركزه بين السمائيين:

يعتبر ميخائيل رئيس الملائكة وهو الأول أيضًا في رؤساء الملائكة السبعة، ففي دانيال يلقب بأنه “واحد من الرؤساء الأولين” (دا13:10) ، وفي سفر يشوع يقول عن نفسه بأنه “رئيس جند الرب” (يش13:5)، وفي سفر دانيال يدعى بـ “الرئيس العظيم” (دا1:12) ولقبه يهوذا الرسول بأنه “رئيس الملائكة” (يهوذا 9).

 

تعتبره الكنيسة من رؤساء الملائكة الأولين ، الواقف أمام الرب على الدوام، يشفع فينا أمام الرب، ويدافع عن الكنيسة من أعدائها الشياطين، لذلك تكرمه وتبجله في مناسبات كثيرة، لأن شجاعته فاقت الوصف، ومحبته لله عظيمة جداً، وغيرته على مجد الله لا تحد.

+ وهو الأول فى رؤساء الملائكة السبعة : ميخائيل وجبريال ورافائيل ( ذكروا فى الكتاب المقدس ) وسوريال وصداقيال وسراتيال وأنانيال (أشار إليهم التقليد الكنسي ) .


الملاك ميخائيل وشعب اللـه فى العهد القديم والعهد الجديد :

+ المدافع عن جنس البشر

* حارب التنين ( الشيطان) وملائكته وطرحهم إلى الأرض ( رؤيا 12 : 7 -9 ) .

* حارب الشيطان من أجل جسد موسى النبى قائلاً له لينتهرك الرب (يهوذا 1 : 9) .

* ظهر ليشوع بن نون قائد شعب بنى إسرائيل فى هيئة رجل مسلحاً وله هيئة مهيبة وسيفه مسلول بيده قائلاً له : أنا رئيس جند الرب الآن أتيت … ثم أبلغ يشوع خطته لسقوط أريحا ( يش 6 : 1 – 5 ) .

* أنقذ الثلاث فتية القديسين من آتون النار المتقد وصيره كالندى البارد وتمشى الثلاثة فتية فى وسط الآتون يسبحون اللـه بفرح مع ملاك الرب ( دانيال 3 : 25 – 28 ) .

* أثناء رجوع شعب بنى إسرائيل من سبى بابل حاول رئيس مملكة فارس عرقلة ذلك فوقف مقابله جبرائيل الملاك يقاومه وينازعه حتى أتى ميخائيل رئيس الملائكة لإعانته فى هذه المهمة الموكلة إليه ” وهوذا ميخائيل واحد من الرؤساء الأولين جاء لإعانتي ” ( دا 10 : 13 – 14) .

 

+ المبشر بقيامة المسيح : (مت 28 : 1 – 7 ) .

كان ميخائيل هو المكلف من قبل اللـه بالحرب ضد الشيطان فأى فرحة تكون للرئيس ميخائيل وهو المكلف من قبل اللـه بالحرب ضد الشيطان وقد تحطم وتقيد بدماء المسيح القائم من القبر منتصراً.

 

+ الملاك ميخائيل وإعانته للشهداء

فهو الذى يسند الشهداء أثناء إحتمالهم للعذاب حتى الإستشهاد .

 

+ الملاك ميخائيل والكنيسة

وهو يحرس كنيسة المسيح ، لذلك تشيد كنيسة على إسمه دائماً فى أعلى حصون الأديرة وعلى مشارف المدن.